الباحثون عن الثراء.. قصص مُحزنة لخسائر فادحة

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

Table of Contents:

  • الباحثون عن الثراء.. قصص مُحزنة لخسائر فادحة
  • Page 2
بعد أن أغلق باب الاحتيال الأوسع في «المساهمات العقارية».. جاء الزئبق الأحمر والسحر والدجل

لم يكن النطق بالحكم الابتدائي على المتهم الرئيسي في إحدى أكبر وأشهر قضايا النصب والاحتيال في تاريخ السعودية، المعروفة بقضية «مساهمة سوا» مطلع هذا الأسبوع بسجن عبد العزيز الجهني المتهم الرئيس في القضية مدة 20 عاماً في الحق العام، وجلده 1000 جلدة سوى سببٍ آخر يذكر آلاف السعوديين بمرارة تعثر أحلامهم وخسائرهم الفادحة التي خرجوا بها من مشروعات واستثمارات ضخمة، لم تلبث أن تحولت بعد انطلاقتها القوية إلى أبواب كبرى للاحتيال والنصب. «مساهمة سوا» هي مثال مصغر للعديد من المساهمات والمشروعات الاستثمارية التي يدخلها كثيرون في السعودية باحثين عن الثراء وتحقيق الرخاء ليصطدموا بخسارة فادحة، المساهمة التي كان بطلها الرئيسي والمتهم الأول فيها حارس أمن في شركة الاتصالات السعودية قرر بمباركة من آخرين أن يلتحق بكار التجارة وتحقيق الأحلام عن طريق المتاجرة ببطاقات «سوا» مسبقة الدفع، عن طريق الحصول عليها من شركة الاتصالات بسعر منافس وجني الأرباح من خلال فرق السعر عند بيعها على مراكز ومنافذ التوزيع، وسرعان ما بدأ يستقطب مساهمين آخرين لتتسارع وتيرة العمل ويجد العامل البسيط نفسه يدير مبالغ تصل إلى مليار ريال من دون أي غطاء قانوني وشرعي، لتبدأ مرحلة التعثر وضياع الملايين ومطالبات المساهمين التي لن يردها قطعاً سجن المتسبب وجلده. البداية من سوق العقار والمساهمات العقارية التي كانت إلى وقت قريب الحيلة المفضلة لدى المحتالين، ماجد الهديان المستشار القانوني لغرفة تجارة وصناعة الرياض، والباحث في قضايا توظيف الأموال أكد أن المساهمات العقارية الوهمية وقضايا النصب والاحتيال فيها ربما تكون هي الباب الأوسع لاصطياد الباحثين عن الثراء السريع في السعودية.

ويرجع الهديان ذلك إلى قناعة راسخة لدى أفراد المجتمع السعودي بأن العقار يمرض ولا يموت، ويمكن أن يتراجع سوقه لكن لفترة مؤقتة، إلى جانب أن هناك تطويرا للبنى التحتية الأمر الذي يعطي دفعة أقوى للاستثمارات في هذا القطاع، يضاف إلى ما سبق أن المساهم في هذا النوع من الفرص بإمكانه رؤية ما استثمره من أموال موجود على أرض الواقع. وبخلاف الأسهم التي لا يمكن التنبؤ بها ولا تخضع لدراسات مبنية على واقع كل شركة وكل سهم بقدر ما تخضع للشائعات، ويذهب ضحيتها كثيرون في لحظات، يبقى العقار استثماراً جذاباً في أنظار السعوديين، إلا أن الهديان يعود ليستدرك بأن الحقيقة المرة هي أنه خلال فترة سابقة ظهرت أزمة حقيقية ناجمة عن إساءة استخدام الأموال التي ضخت في المساهمات العقارية، حيث كان المساهمون يصدمون إما بهروب المستثمر أو عدم وجود أوراق رسمية أو عدم وجود تراخيص مكتملة للمساهمات والمشاريع، وبالتالي تعثرها ليتضرروا بعدها من عدم وجود آلية واضحة تحفظ حقوقهم.

ولأن الواقع أكثر مرارة من الأحلام لا يستطيع المساهمون الذين اصطدمت أحلامهم بالثراء من تحصيل حقوقهم ببساطة من خلال الحل العلاجي المتمثل في اللجوء إلى المحاكم للمطالبة بأموالهم، إلا أن تحسناً كبيراً طرأ من خلال حل وقائي قد يحمي مستقبلا المساهمين والحالمين ويصعب الأمور أمام المحتالين، وهو الحل الذي أوجده قرار وزاري صدر أخيراً لتنظيم المساهمات وفق آلية معينة تشترط الحصول على التراخيص الرسمية من الجهات المختصة ووجود مكتب محاسبي وغيرها من التشديدات التي يعيد إليها الهديان الفضل في عدم ورود أخبار كثيرة عن مساهمات متعثرة وعمليات نصب بالقدر الذي كانت تحدث به سابقاً. ويرى الهديان بأنه وبفضل الدور الإعلامي التوعوي أصبح المجتمع أكثر وعياً، وهناك تغيير جذري في طريقة التفكير بطرق الاستثمارات والتحري عنها، فلم تعد الشائعات تسير الناس كما كانت عن طريق ما يبثه أصحاب المساهمات أو أصحاب الفرص الاستثمارية المزيفة.

* المحتال وصناعة الصورة

* ولأن المنطق أحياناً يغيب عن الحالمين، يقول الهديان انه لا بد أن يتنبه صغار المستثمرين والمساهمين إلى مسألة مهمة جداً في فرص توظيف الأموال، فهناك قاعدة أساسية تقول بأن عوائد أنجح الاستثمارات لا تتعدى نسبة الـ 20 أو الـ 30 في المائة، وهي منطقية ومقبولة، أما ما هو أكثر من ذلك فهو مجازفة، ويثير تساؤلات جدية حول سلامة الاستثمار المعروض.

وقد كانت بعض المساهمات في فترة من الفترات تعد المساهمين بـ 70 و80 وحتى الـ 100 في المائة، وهذا غير صحيح ولا يعدو أن يكون سحب سيولة من مساهمين، تعطى لمساهمين أقدم ليسهموا بدورهم ومن دون قصد في الترويج لهذه المساهمات عن طريق أعطائها نوعاً من المصداقية تتيح للمستثمر وصاحب المساهمة أن يستمر في استقطاب مساهمين جدد وخداع فئات أكبر من أصحاب الدخل المتوسط وما دون ذلك. ويقول الهديان، عندما لم تكن المساهمات العقارية تخضع لرقابة إدارية كما هو الواقع الآن، وكان المجتمع بكامله يترقب المساهمات ليضخ أمواله من دون أن يتنبه إلى وجود بعض المعوقات التي تعيق المشروع كان يمكن ببساطة أن يقع ضحية للنصب والاحتيال من خلال صورة مصنوعة بدقة ومهارة ومكبرة بهالة إعلامية مدفوعة في أحيان كثيرة. ويرسم الهديان ملامح عامة للنصاب الذي يقع الحالمون ضحية له، فهو غالباً مالكٌ للأرض، ويتمتع باسم أو سمعة تجارية كبرى أو ترويج إعلامي تخدمه غالباً في إقناع المساهمين بقدرته على إنجاز مشروع يثمر أرباحاً سريعة، ويصبح فجأة ملء أسماع الناس وأبصارهم في المجالس والتجمعات والصحف، وأحياناً كثيرة في القنوات التلفزيونية، وبمجرد إعلانه عن المساهمة يتدفق إليه الحالمون والباحثون عن الثراء، ليعدهم بأرباح خيالية وبسرعة البرق تتم تحويل المبالغ التي يتحصل عليها منهم إلى حسابات بنكية في الخارج، باستثناء جزء قليل يستثمر في صناعة الصورة والترويج الإعلامي، لبث الاطمئنان في قلوب المساهمين، وبالتالي فإن ما يتم السيطرة عليه من المبالغ بعد ثبوت عملية الاحتيال قليل، ولا يكفي لتوزيعها أو إعادتها لرأسمال كل مساهم، وبعد سنوات من الملاحقات القضائية تعود لتصبح قسمة غرماء.

* هوس الزئبق الأحمر

الشرق الأوسط
No votes yet