الباحثون عن الثراء.. قصص مُحزنة لخسائر فادحة

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
بعد أن أغلق باب الاحتيال الأوسع في «المساهمات العقارية».. جاء الزئبق الأحمر والسحر والدجل

* ربما يكون إغلاق باب المساهمات العقارية إثر قرار تنظيمها، والذي لم يمض عليه أكثر من شهرين، حافزاً كبيراً لتحريك مخيلة المحتالين، للبحث عن أبواب وطرق جديدة، وهي مشكلة توظيف الأموال بشكل سلبي كما يقول الهديان، وبطريقة لا تحقق أي أهداف تنموية اجتماعية، كما هو المطلوب شرعاً ونظاماً بحسب الهديان، والذي يتوقع أساليب جديدة مطورة للاحتيال تستغل فيها سذاجة بعض الأشخاص وقلة وعيهم ورغبتهم في الثراء السريع. «ماكينات سنجر» أو كذبة أبريل كما يروق للكثير من السعوديين تسميتها هي آخر هذه الأبواب، ماكينات الخياطة القديمة، التي لم تكن تعني للكثير من السعوديين شيئاً غير إرث قديم وذكريات حميمة لمقتنيات الأمهات والجدات، تحولت بين عشية وضحاها إلى سلعة مرغوبة تباع بأرقام فلكية، بعد أن سرت شائعة مفادها أن الماكينات القديمة تحتوي على مادة الزئبق الأحمر، المادة الأثمن على وجه الأرض، التي تستخدم في صناعة الأسلحة النووية كما يعتقد البعض بأنها تستخدم في أغراض سحرية، وبسرعة سرت الشائعة سريان النار في الهشيم ووصلت أسعار بعض الماكينات إلى 5 آلاف ريال للماكينة التي لا يتعدى سعرها 200 ريال سعودي. القصة التي أثارت الرأي العام دفعت المتحدث الأمني في وزارة الداخلية السعودية اللواء منصور التركي، إلى نفي الشائعة، وإصدار تصريح رسمي يشير إلى أن الأمر لا يعدو كونه «شائعة هدفها الاحتيال»، مشيراً إلى أن وزارة الداخلية لم تتلق أية قضايا أو شكاوى بهذا الخصوص، ودفعت قوة الشائعة وتهافت الطامحين للبيع والشراء وزارة التجارة والصناعة السعودية إلى مخاطبة مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية ومستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، بالإضافة إلى جهات خارجية للتأكد من وجود مادة الزئبق الأحمر بالماكينات المذكورة.

* مغذي عمليات النصب

* في كل قصص الاحتيال والنصب تقريباً تلعب الشائعة الدور الأكبر في إقناع الضحايا، وتوجيههم نحو قدرهم الأسوأ، الشائعات التي يطلقها المستفيدون عادة ما تكون مكثفة وتبث عبر قنوات مختلفة، كالإعلام المرئي والمسموع والمقروء، وحتى عبر رسائل الجوال والتجمعات العامة، ومواقع الإنترنت وهي تزين الفرصة المزيفة دائماً، وتجعلها لا تقاوم عبر العزف على أحلام الباحثين عن الثراء. «اكذب حتى يصدقك الناس» المبدأ الأساسي لغوبلز وزير إعلام هتلر الشهير، تبناها بدقة متصيدو أصحاب الأحلام، يطلقون الكذبة «الشائعة»، ثم يتريثون لتؤتي ثمارها، يقول الدكتور فايز بن عبد الله الشهري الباحث والكاتب في استخدامات الإنترنت، والمحاضر بجامعة الأمير نايف للعلوم الأمنية، إن الشائعات كما هو معروف ليست إلا قصصا أو عبارات أو أخباراً تتناقل من شخص لآخر، من دون أن تكون هنالك معايير للتأكد من صدقها، وتدخل عند الخبراء في باب الدعاية كأحد أدوات الحرب النفسية الفاعلة كأخطر أسلحة الخصوم، لأنها تستهدف في الفرد عقله وقلبه وتفكيره وتضلله. ويشير الشهري إلى أن إحدى إيجابيات الوقت الراهن باعتباره عصر المعلومات والتقنية، قد تتحول إلى سلبية من خلال قدرة الشائعة على الرواج والنشاط والانتشار الجغرافي الراهن في ظل هذه البيئة المعلوماتية، كما أن شبكة الانترنت بحد ذاتها تضيف خصائص أخرى للشائعة، بحيث يمكن القول إن من أهم ملامح الشائعة التي تظهر عبر الانترنت ما يلي: أنها تضمن سرية المصدر بشكل اكبر من غيره، سريعة الانتشار وفي مختلف الأوساط، الثبات في الشكل والمضمون إلى حد كبير، عالمية الانتشار بحسب جماهيرية الشبكة، يمكن تزوير وثائق مصاحبة لزيادة درجة صدقيتها وقدرتها الكبيرة في التأثير على القرار اليومي، سواء كان قرارا سياسيا أو اقتصاديا. ومن تطبيقات الشائعات، نجد منها التي يطلقها مروجوها، حول بعض الشركات سلبا وإيجابا، للتأثير في سوق الأسهم، وشائعات بوجود مشاريع أو قرارات لرفع وخفض سعر سلعة معينة. وهناك محترفون يروجون لشائعات للنصب والاحتيال، مثل ادعاء مرور طريق دولي بمكان معين، لبيع الأراضي الواقعة إلى جواره، أو الادعاء بوجود مشروع كبير في منطقة، وغيرها من أساليب التأثير وجذب الناس، من خلال ترويج أفكار تدعي قدرتها على تحقيق حلم الثراء السريع، والغريب هو أن الحلم دائما أقوى تأثيراً في عقول البعض من معطيات الواقع. وعلى الرغم من عدد الضحايا المهول للشائعات في عمليات النصب والاحتيال، والأرقام الفلكية المفجعة لحجم الخسائر، إلا أن مواجهة هذه الشائعات أمر صعب وتعقبها أمر أصعب بالنسبة لجهات التحقيق والرقابة، ويقول الشهري بأنه لا يوجد اختلاف إجمالاً بين الشائعة الالكترونية وغيرها من حيث سبل المواجهة، إذ لا تختلف كثيرا سبل مواجهة شائعات الانترنت عن غيرها من الشائعات، التي تغوص وتظهر من خلال الوسائل التقليدية.

أما الطريقة التي تستخدمها الجهات الأمنية والمعنية بمواجهة هذا النوع من الشائعات، فتتم عن طريق تصميم نماذج مخصصة، لتحليل الشائعة تشمل موضوع الشائعة ودوريتها والمجالات المحتمل تأثرها جغرافيا وبشريا وزمنيا لإعداد وسائل المعالجة، كمرحلة أولى، تليها مرحلة تصميم استراتيجيات مواجهة فعّالة تستوعب طبيعة الشائعات المنتشرة، ومدى جاذبية موضوعها ودرجة تأثيرها وخطورتها، والتشخيص للمظاهر الأخرى المصاحبة لنشر الشائعة، وأخيراً اعتماد آليات دقيقة لتَصحيح الشائعات الخاطئةِ بضخ المعلوماتِ الموثقةِ واعتمادها. توظيف الماورائيات في الاستثمارات قضايا النصب والاحتيال في السعودية لا تقتصر فقط على المساهمات العقارية وسوء إدارة الأموال، لكنها تحمل قصصاً كثيرة يصعب تصديقها عن ضحايا آمنوا كل الإيمان، وبغض النظر عن أرصدتهم الضخمة وشهاداتهم العلمية بأن بإمكان السحر واللجوء إلى الجن تنمية مدخراتهم، فلا تخلو الصحف المحلية أسبوعياً من أخبار متعددة عن إلقاء القبض على عصابات للاحتيال والنصب، تضم سحرة ومشعوذين يدعون قدرتهم على زيادة الأموال وتكثيرها، من خلال استعانتهم بالجن والشعوذة، وباستخدام العنصر الأندر الذي تدور حوله الشائعات والأساطير «الزئبق الأحمر»، وتحول مثل هذه القضايا عادة إلى إدارة متخصصة بجرائم الأخلاق في دائرة التحقيق والإدعاء بعد ضبطها من قبل مراكز الشرطة التي يلجأ إليها الضحية، بعد أن يكتشف بأنه حتى الجان لا يمكنه أن يحمي استثماره وينميه، وبأنه كان ضحية سهلة لفكرة حالمة وساذجة لا يمكن تصديقها عند إعادة النظر فيها مرتين.

جدة: منال حميدان

الشرق الأوسط
No votes yet